أحمد مصطفى المراغي

27

تفسير المراغي

وفي هذا تأنيب لهم على ما يفعلون من أنواع الفجور وفظيع المنكرات ، فإنهم قد تركوا عبادة رب مكة ، ونصبوا الأوثان فيها ، وعكفوا على عبادتها . ( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) خلقا وملكا وتصرفا دون أن يشركه في ذلك أحد . ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي وأمرني ربى أن أسلم وجهي له ، فأكون من الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المخبتين له في الطاعة . ونحو الآية قوله : « قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . ( وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ ) آناء الليل وأطراف النهار ، لتنكشف لي أسراره المخزونة في تضاعيفه ، وأستطلع أدلة الكون المتفرّقة في آية ، فأعرف حقائق الحياة ، وسر الوجود ، ويفاض علىّ من فيوضاته الإلهية ، وأسراره القدسية ما شاء اللّه أن يفيض . و قد روى « أنه صلى اللّه عليه وسلم قام ليلة يصلى فقرأ قوله تعالى « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » فما زال يكررها ويظهر له من أسرارها ما يظهر ، ويتجلّى له من مقاصدها ما تسمو به نفسه إلى الملإ الأعلى حتى طلع الفجر » . ونحو الآية : « ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ » . ( فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) أي فمن اتبعني واهتدى بهداي وآمن بي وبما جئت به فقد سلك سبيل الرشاد ، وأمن نقمة ربه في الدنيا وعذابه في الآخرة . ( وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) أي ومن جار عن قصد السبيل بتكذيبه بي وبما جئت به من عند اللّه ، فقل إنما أنا من المنذرين فحسب ، وقد خرجت من عهدة الإنذار ، وليس علىّ من وبال ضلالكم من شئ ، فإن قبلتم وانتهيتم عما يكرهه ربكم من الشرك ، فحظوظ أنفسكم تصيبون ، وإن كذبتم وأعرضتم عما أدعوكم إليه فعلى أنفسكم تجنون ، وقد بلّغتكم ما أمرت بإبلاغه إياكم . ونحو الآية قوله : « فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » وقوله : « إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » .